ابن رشد
192
تهافت التهافت
علم الإنسان بغيره عين علمه بنفسه وعين ذاته ومن قال ذلك سفه في عقله . وقيل حد الشيء الواحد أن يستحيل في الوهم الجمع فيه بين النفي والإثبات فالعلم بالشيء الواحد لما كان شيئا واحدا استحال أن يتوهم في حالة واحدة موجودا ومعدوما ، ولما لم يستحل في الوهم أن يقدر علم الإنسان بنفسه دون علمه بغيره قيل أن علمه بغيره غير علمه بنفسه إذ لو كان هو هو لكان نفيه نفيا له وإثباته إثباتا له إذ يستحيل أن يكون زيد موجودا وزيد معدوما أعني هو بعينه في حالة واحدة ولا يستحيل مثل ذلك في العلم بالغير مع العلم بنفسه ، وكذا في علم الأول بذاته مع علمه بغيره إذ يمكن أن يتوهم وجود أحدهما دون الآخر فهما إذا شيئان ولا يمكن أن يتوهم وجود ذاته دون وجود ذاته ، فلو كان الكل كذلك لكان هذا التوهم محالا ، وكل من اعترف من الفلاسفة بأن الأول يعرف غير ذاته فقد أثبت كثرة لا محالة . قلت : حاصل هذا القول في الاعتراض على من قال : إن الأول يعقل ذاته ويعقل غيره أن علم العالم بذاته غير علمه بغيره ، وهذا تمويه فإن هذا يفهم منه معنيان : أحدهما أن يكون علم زيد بنفسه الشخصية هو علمه بغيره فهذا لا يصح البتة ، والمعنى الثاني أن يكون علم الإنسان بغيره التي هي الموجودات هو علمه بذاته وهذا صحيح وبيان ذلك : إنه ليست ذاته أكثر من علمه بالموجودات ، فإن كان الإنسان كسائر الأشياء إنما يعلم ماهيته التي تخصه وكانت ماهيته هي علم الأشياء ، فعلم الإنسان ضرورة بنفسه هو علمه بسائر الأشياء ، لأنه إن كان غيرا فذاته غير علم الأشياء . وذلك بيّن في الصانع فإن ذاته التي بها يسمى صانعا ليست شيئا أكثر من علمه بالمصنوعات . وأما قوله : إنه لو كان علمه بنفسه هو علمه بغيره لكان نفيه نفيا له وإثباته إثباتا له فإنه يريد أنه لو كان علم الإنسان بنفسه هو علمه بغيره لكان إذا لم يعلم الغير لم يعلم ذاته ؛ أعني إذا جهل الغير جهل ذاته ، وإذا علم الغير علم ذاته ، فإنه قول صادق من جهة ، كاذب من جهة ، لأن ماهية الإنسان هو العلم والعلم هو المعلوم من جهة وهو غيره من جهة أخرى ، فإذا جهل معلوما ما فقد جهل جزءا من ذاته ، وإذا جهل جميع المعلومات فقد جهل ذاته ، فنفي هذا العلم عن الإنسان هو نفي علم الإنسان بنفسه لأنه إذا انتفى عن العالم المعلوم من جهة ما المعلوم والعلم شيء واحد انتفى علم الإنسان بنفسه ، وأما المعلوم من جهة ما هو غير العلم فإنه غير الإنسان ، وليس يوجب انتفاء هذا العلم عن الإنسان انتفاء علم الإنسان بنفسه ، وكذلك الحال في الأشخاص فإنه ليس علم زيد بعمرو هو نفس زيد ، ولذلك قد يعلم زيد ذاته مع جهله بعمرو .